الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
43
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
حسب بمعنى أحصى العدد فهو بضم الحاء . والترك افتقاد الشيء وتعهّده ، أي : أن يترككم اللّه ، فحذف فاعل الترك لظهوره . ولا بدّ لفعل الترك من تعليقه بمتعلّق : من حال أو مجرور ، يدلّ على الحالة التي يفارق فيها التارك متروكه ، كقوله تعالى : أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ [ العنكبوت : 2 ] ومثل قول عنترة : فتركته جزر السباع ينشنه وقول كبشة بنت معد يكرب ، على لسان شقيقها عبد اللّه حين قتلته بنو مازن بن زبيد في بلد صعدة من بلاد اليمن : وأترك في بيت بصعدة مظلم وحذف متعلّق تُتْرَكُوا في الآية : لدلالة السياق عليه ، أي أن تتركوا دون جهاد ، أي أن تتركوا في دعة بعد فتح مكة . والمعنى : كيف تحسبون أن تتركوا ، أي لا تحسبوا أن تتركوا دون جهاد لأعداء اللّه ورسوله . وجملة وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ إلخ في موضع الحال من ضمير تُتْرَكُوا أي لا تظنّوا أن تتركوا في حال عدم تعلّق علم اللّه بوقوع ابتدار المجاهدين للجهاد ، وحصول تثاقل من تثاقلوا ، وحصول ترك الجهاد من التاركين . و لَمَّا حرف للنفي ، وهي أخت ( لم ) . وقد تقدّم بيانها ، والفرق بينها وبين ( لم ) عند قوله تعالى : وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ [ البقرة : 214 ] وقوله تعالى : وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ في سورة آل عمران [ 142 ] . ومعنى علم اللّه بالذين جاهدوا : علمه بوقوع ذلك منهم وحصول امتثالهم ، وهو من تعلّق العلم الإلهي بالأمور الواقعة ، وهو أخصّ من علمه تعالى الأزلي بأنّ الشيء يقع أو لا يقع ، ويجدر أن يوصف بالتعلّق التنجيزي وقد تقدّم شيء من ذلك عند قوله تعالى : وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ في سورة آل عمران [ 142 ] . و ( الوليجة ) فعلية بمعنى مفعولة ، أي الدخيلة ، وهي الفعلة التي يخفيها فاعلها ، فكأنّه يولجها ، أي يدخلها في مكمن بحيث لا تظهر ، والمراد بها هنا : ما يشمل الخديعة وإغراء